بنية الفكر الإعلامي الإسلامي.. نحو الترشيد: الدكتور: محمود يوسف السماسيري


ولعل النجاحات التي حققها ويحققها الإعلام العلماني من التحكم في تشكيل وعي جل أبناء المجتمع الإسلامي على النحو الذي يخدم مصالح المهيمنين عليه دليل ساطع علي هذه الحقيقة .

     و لاغرو أن هذه الوضعية تثير تساؤلين كبيرين ألا و هما: أين دور الإعلام الذي  يفترض أن يعبر عن الهوية  الإسلامية في التصدي لهذه الوضعية ؟  ألا تعد هذه الوضعية  دليلا جليا علي ضعف ذلك الإعلام ؟ و إذا  كان لا مفر لنا من  الإجابة علي السؤال  الثاني بنعم..  فثمة سؤالين آخرين لابد من طرحهما هنا - وعلي نحو لا مفر منه أيضا- ألا وهما: السؤال الأول،  أين الفكر الإعلامي الإسلامي من التصدي لهذه الإشكالية الجلل؟ السؤال الثاني : ألا يدلل غياب هذا الفكر عن التصدي لهذه القضية على قصور ما  يضرب بنيته برمتها؟    

 و عبر مبحثين اثنين تأتي هذه الورقة العلمية للإجابة على هذين التساؤلين مستخدمة  منهجية التحليل و التركيب الفلسفي([1])  هذان المبحثان هما:

المبحث الأول: جوانب قصور بنية  الفكر الإعلامي الإسلامي القائم.

المبحث الثاني: سبل بناء فكر إعلامي إسلامي على نحو سليم.

 

المبحث الأول: جوانب قصور بنية  الفكر الإعلامي الإسلامي القائم.

 

 إذا ما تأملنا الكتابات العلمية التي انطلقت من خلفية إسلامية في تنظيرها لهذا الإعلام نجد جلها يقع في فخ المطابقة بين الإعلام الإسلامي والدعوة الإسلامية ..وكأن باقي مناحي حياة المجتمع المسلم "السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية وغيرها" لا علاقة للإسلام  بها ...ومن ثم فليس لها من اهتمام - ما يمكن تسميته بالإعلام الإسلامي-  نصيب ،وهو ما يجعل معالجة هذه القضايا تصبح ، وعلي نحو حتمي، من نصيب الإعلام ذي الصبغة العلمانية.ورغم أن ثمة كتبات – على قلتها-  نظّرت إلي الإعلام الإسلامي علي أنه ينبغي أن يتناول شتي مجالات الحياة إلا أن هذه الكتابات – مثلها قي ذلك مثل الكتابات التي اقتصر همها على الجانب الدعوي- وقعت في  إشكاليه جلل تتمثل  في تبنيها لنفس مقولات الفكر الاتصالي الوضعي حول عناصر العملية الاتصالية، وهي المقولات التي تتمحور – في النهاية- حول الإجابة على تساؤل كيف يمكن للقائم بالاتصال أن يقيم عملية "اتصال مؤثر" أو بمعني أخر "اتصال فعال".([2]ولم تبال بالإجابة على الكيفية التي يمكن خلالها ضمان سلامة الأثر الذي يترتب علي هذا الاتصال الفعال.

وقد عملت الكتابات الإسلامية في سعيها للإجابة على التساؤل الأول المتعلق بكيفية تحقيق الاتصال المؤثر –  نقلا عن أو تقليدا للكتابات الغربية الوضعية -  إلي تلمس  الدور الذي يضطلع به كل عنصر من عناصر العملية الاتصالية  في بناء  عملية اتصال فعالة قادرة على تحقيق الأثر الذي يصبو إليه  القائم بالاتصال من  بناء رسالته ، سواء أكان ذلك  التأثير ناجما عن أمور  تتعلق بقوة  المحتوي الذي تقدمه الرسالة، أو عن سمات ما تتمتع بها  شخصية القائم بالاتصال منشئ هذا المحتوي، أو عبر توافق هذا المحتوي مع البنية السيكولوجية للجمهور المتلقي، أو عبر المؤثرات المصاحبة لنقل هذه الرسالة ( مؤثرات صوتية أو إيحاءات ) أو عبر الزخرفة اللغوية -في حالة الرسائل المكتوبة - أو عبر تضخيم عرض الرسالة وتكرارها علي نحو ملح ..وما إلى ذلك من عوامل تسهم في مزيد من تحقيق التأثير للرسالة.

  وهكذا فثمة تبعية جلية للكتابات الإسلامية  لطروح  الفكر الاتصالي الوضعي حول بنية العملية الاتصالية ، وإذا كان ثمة تمايز لطروح  هذه الكتابات عن الطروح الوضعية،  فلا يعدو تأكيد هذه الطروح علي ضرورة التزام الممارسات الإعلامية في المجتمع المسلم بعدد من القواعد الأخلاقية التي تنطلق من القيم الإسلامية ، وهو تمايز ليس بالجوهري عن الطروح الوضعية التي التفت منظروها- منذ كتاب أرسطو عن الاتصال الخطابي([3])- إلي ضرورة وضع قواعد أخلاقيه لضبط الممارسات الإعلامية.. وهو الأمر الذي تبلور - قبيل النصف الثاني من القرن العشرين- في نظرية متكاملة  هي "نظرية المسؤولية الاجتماعية"([4])

 وعلى الرغم من تثمين التفات الكتابات الإسلامية- بل والوضعية- إلى ضرورة التزام القائم بالاتصال بعدد من الضوابط الأخلاقية أثناء ممارسته العمل الإعلامي.. إلا إن هذا الالتزام  ليس كافيا   للإجابة على التساؤل الثاني الذي لم يبال الفكر الاتصالي الغربي بطرحه، وكان حتما على الفكر الإعلامي الإسلامي أن يطرحه ألا و هو: ما الذي يضمن لنا سلامة الأثر الذي تحدثه عملية الاتصال الفعال؟

ذلك أنه إذا ما افترضنا  التزام القائم بالاتصال المسلم في بناء رسائله  الاتصالية  بهذه الأخلاقيات فثمة ثلاث تساؤلات- ينبني لاحقها على سابقها –   لابد للفكر الاتصالي الذي ينطلق من مرجعية إسلامية - أن يجب عليها حتى يمكن للقائم بالاتصال ضمان سلامة  التأثير الذي ستحدثه رسائله ألا وهي: ما الذي يضمن لذلك القائم بالاتصال سلامة المعالجات(الأحكام) التي يطرحها حول القضايا أو الأحداث التي  يتناولها في رسالته؟ ألا يؤدي أي قصور في هذه المعالجات إلي اختلال  المعارف ومن ثم ، الأحكام ، ومن ثم، السلوكيات التي يقوم بها الجمهور المتلقي على هدي تلك المعالجات القاصرة؟  ألا يعني ذلك وقوع ضرر حتمي(صغير أو كبير) للجمهور المتلقي الذي يهتدي بتلك الإحكام المختلة.. ضرر قد لا يغاير كثيرا الضرر الذي يلحقه به القائم بالاتصال عندما يتخلي عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه هذا الجمهور عن عمد؟

   والواقع إن الإجابة على هذه التساؤلات هي بلى..فأية رسائل اتصالية يسعي خلالها القائم بالاتصال للتأثير في المتلقي، ولا تنبني على معرفة سليمة و متكاملة لديه تعني أنها رسائل تبتعد عن إدراك "الحق" ([5])،بدرجة أو بآخري في القضية التي تتناولها، وهو ما يعني حدوث خسارة ما في تحقيق أهداف المتلقي الذي يهتدي بها، على قدر بعد هذه الرسائل عن أدرك ذلك "الحق".

    ولا مراء إن إخفاق أية رسالة اتصالية يطرحها القائم بالاتصال في إدراك الحق القائم على إحاطة كاملة منه بالمعارف"المقدمات" التي تتعلق بالقضية التي يعالجها، وعلى انتقال  منطقي سليم من هذه المقدمات إلي النتائج التي تنبثق منها ،سواء أتم نقل الرسالة عبر عملية اتصال جماهيرية، أو عبر عملية اتصال جمعي، وأيا كان شكلها( مكتوبة، مسموعة ،مرئية) وأيا كان حجمها (جملة و احده.. أو كتاب كامل طالما كانت تعالج قضية  واحدة ).. لا مراء إن إخفاق هذه الرسالة في إدراك الحق في القضية التي تعالجها، قد يؤدي إلي واحده أو أكثر من النتائج  السلبية التالية التي تلحق ضرار  واضحا بالجمهور المتلقي بل والمجتمع الذي تطرح فيه برمته، والتي تتنافي مع  طبيعة الدور التي يجب أن يضطلع به كل من نصب نفسه قائما بالاتصال في المجتمع الإسلامي .. هذه النتائج تتمثل في : 

أ-اختلال في قدرة أفعال الجمهور المتلقي- التي تهتدي بهذه الرسالة- علي تحقيق الأهداف المرجوة منها،وهو ما يعني حدوث خسارة ما في تحقيق  الأهداف التي يصبو إليها ذلك الجمهور، على قدر ما في هذه الرسالة من خلل أو قصور... وبالطبع كلما كبرت هذه الأهداف كلما عظمت الخسارة التي  تصيب جمهور هذه الرسالة.

ب – إن إخفاق أي رسالة اتصالية في الوصول إلي الحق البين الذي يمثل كلمة فصلا في القضية التي تعالجها،  يعني أن ما تنتهي إليه هذه الرسالة من أحكام حول هذه القضية  لن يكون ملزما لكل أفراد الجمهور المتلقي، وهو ما يعني أن ذلك قد يفتح بابا للاختلاف حول سبل معالجة هذه القضية، وما يعنيه ذلك من إمكانية تفريق الصفوف إذا ما كانت هذه المعالجات تتعلق بقضية تحتاج إلى وحدة الصفوف في التصدي لها .. و قد يصل الاختلاف إلى تمزيق وحدة البلد الواحد، بل ووحدة الأمة إذا ما تعلق بالقضايا الكبرى..وها نحن نرى ذلك  يتجلي بالفعل في وجود فيض من الرسائل الإعلامية التي تطرحها الفرق و الشيع والتيارات المتعددة ،التي تشكل الخريطة  الإعلامية في كثير من المجتمعات المسلمة، وقد كان بديهيا أن يسهم ذلك في تأجيج صراعات أسهمت في ضعف هذه المجتمعات وتمزقها على نحو لا تخطئة عين .

   ج- إن الإخفاق في الوصول إلي الحق في أي قضية من القضايا المحورية، سوف يخلف خللا وقصورا  يضرب -  وعلى نحو حتمي – كل المعالجات التي تطرح للقضايا التي تتفرع عن هذه القضية المحورية.

 د- إذا ما تحققت سيادة لطروح إعلامية مختلة ( بعيده عن إدراك الحق)  لقضية ما من القضايا الكبرى في أرض الواقع العملي؛ فإن هذا الخلل، إذا ما جلب نفعا لفئة ما ترتبط بهذه القضية على حساب باقي فئات هذا المجتمع، سيجعل هذه الفئة لا تتواني في الدفاع عن هذه الطروح المختلة عند تعرضها لأي نقد. بل وقد يصل بها الأمر إلى  إيقاع العقاب المادي والمعنوي بكل من تسول له نفسه نقد هذا الطروح أو الخروج عن هيمنتها. وبالطبع فإنها لن تكتفي بهذا النهج في مواجه أي مسعى للنيل من هيمنة هذا الطروح، وإنما ستسعي عبر سدنتها، وعبر مختلف أبواقها الإعلامية لتقديم الأدلة والحجج التي تدعم  وترسخ هيمنة هذه الطروح في أرض الواقع.. و لا مراء أن هيمنة هذه الطروح المختلة، ثم تقديم رسائل إعلامية جديدة تبرر الخلل الذي أصاب الواقع انطلاقا من هذه الطروح المهيمنة، والتي لن تكون إلا رسائل مختلة ..إن ذلك يٌدخل أي مجتمع تسود فيه هذه الوضعية في حلقة مفرغة من الخلل المتصاعد .وهذا هو ما يشهد عليه واقع كثير من  المجتمعات الإسلامية الحالية، وما تشهده الآلة الإعلامية فيها من تزيين للباطل الذي يخدم مصالح الفئات المهيمنة على هذه المجتمعات،ويحقق لها الاستقرار و الاستمرار في الهيمنة على مقدراتها، خير دليل على ذلك. وكيف أنه جعل وضعية كثير من المجتمعات الإسلامية تتدهور يوما بعد يوم.

    وقد كان طبيعيا أن يؤدي بناء الرسائل الإعلامية في المجتمعات الإسلامية على هدي طروح الفكر الاتصالي الغربي  إلي النتائج سالفة الذكر، ذلك لان عدم تحري سبل بناء الرسائل الإعلامية التي تطرح في أي مجتمع إسلامي على نحو يمكنها من إدراك الحق في القضايا أو الأحداث التي تتناولها أو -على الأقل- الاقتراب قدر الإمكان من هذا الحق، اهتداء بفكر اتصالي وضعي يتمحور همه حول بناء الرسائل المؤثرة، بغض النظر عما قد يصيب هذه الرسائل من خلل أو قصور في عمليات تأسيسها المعرفي أو بنائها المنطقي واللغوي، إن عدم تحري ذلك  يجعل طروح هذه الرسائل، لا تعدو أن تكون طروحا ظنية ([6]) غير قادرة على تحقيق الأهداف التي جاء الإسلام لإحرازها في هذا الوجود وهو الدين الذي وصفه القرآن بأنه  "دين الحق"[7].. وهو وصف يشير إلي أنه الدين الذي جاء ليعلي الحق في أقول و أفعال اتباعه.. وكل من يبتعد من اتباع هذا الدين عن الحق في قوله أو فعله طمعا في تحقيق مصلحة ذاتية ما.. يبتعد عن وصفة كمسلم ،علي قدر ابتعاده عن هذا الحق..وهو الأمر الذي يجعل الإسلام قمينا أن  يكون  الدين الحق ([8])

   و لامحيص أمام الفكر الاتصالي السليم حتى يسهم في تحقيق رسالة الإسلام في إعلاء الحق في هذا الوجود، من بناء فكر اتصالي  يرسم سبل بناء ونقل أي رسالة على نحو يمكنها من إدراك المعرفة الحق في القضية التي تتناولها، والتأثير عبر هذا الحق. .. وعدم الاكتفاء بتقديم النصح للقائم بالاتصال  بضرورة تحمل ما تفرضه عليه مسؤولياته الأخلاقية، ذلك لأن التزام أي قائم بالاتصال في المجتمع المسلم  بالنصائح التي تبين له حدود  مسؤوليته الأخلاقية، والتي تتلخص في ضرورة السعي لتحقيق مصالح جمهوره ومجتمعه، لن يجدي كثيرا، إذا ما لم يدرك هذا الإعلامي الحق في القضية التي تعالجها رسالته، أو علي الأقل يقترب من إدراك ذلك الحق.      

 

     و إذا ما افترضنا – جدلا- أن  الفكر الاتصالي الإسلامي   تمكن من وضع آلية التي تمكن القائم بالاتصال من القدرة على الإحاطة بالمعارف الكاملة في القضية التي يعالجها، ومن الانتقال المنطقي السليم  من هذه المعارف ( المقدمات) إلى النتائج التي تنبثق عنها ،واستطاع – من ثم - تقديم رسالة تحمل القول الفصل في القضية التي يتناولها، وعلى النحو الذي  يُمكن جمهوره من تحقيق الأهداف التي يصبو إليها.. وهو ما يعني ضمان سلامة الأثر الذي سوف تخلفه هذه الرسالة .. إذا ما افترضنا ذلك ثمة إشكالية أخرى  لابد أن يتصدي لها ذلك  الفكر الاتصالي الإسلامي، هذه الإشكالية تنبع من حقيقة أن الحياة تحمل للقائم بالاتصال يوميا قضايا كُثر، منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير ،ومنها ما هو محلي ومنها ما هو إقليمي، ومنها ما هو دولي ..إلى غير ذلك من التصنيفات. ولامناص هنا أمامه أن يمنح اهتماما متباينا لهذه القضايا، وهو ما يجعله يتحمل مسؤولية واضحة في تقرير أي من هذه القضايا تستحق أن يمنحها اهتماما أكبر من غيرها. وهنا تأتي الإشكالية والتي يمكن صياغتها في صورة تساؤل حتمي ألا وهو :.. ما المعيار الذي يضمن للقائم بالاتصال المسلم (شخص أو مؤسسة) سلامة تحديد أولوية([9]) تناول قضية ما عن غيرها من القضايا؟

   ويستمد هذا التساؤل حتميته من كون أي غياب لمعيار يمكن القائم بالاتصال من سلامة تقديره للأولوية التي تحملها  قضية ما عن غيرها من القضايا، يعنى إمكانية إعلائه  قضية ذات أهمية ضئيلة على قضية ذات أهمية كبيرة ، وهو ما يتسبب  في خسارة تحيق بالمتلقي على قدر الفرق بين ما هو أعلى و ما هو أدني في أولويته من هذه القضايا.. إنه يعني فوات نفع أكبر، أو التصدي لضرر أقل على حساب التصدي لضرر أكبر ،وقد يكون الخلل من ذلك النوع الذي يتعلق بتناول جانب ما من  قضية   من القضايا الكبرى يغلب اهتمامه فيه  بالعرض على حساب الجوهر أو الجزء على حساب الكل، وهو ما يعنى فساد المعالجة التي يطرحها للقضية برمتها. وفي كلتا الحالتين نحن هنا أمام ضرر يحيق بالمتلقي قد لا يقل عن الضرر الذي يحيق به بسبب إخفاق الرسائل الاتصالية التي يتعرض لها في إدراك الحق فيما يهمه من  قضايا، بل قد لا يقل في أثره عن الضرر الذي يحيق به جراء التضليل المتعمد الذي يتعرض له من قِبل القائم بالاتصال الذي يعلي مصلحته  على ما سواها.

 

      وهكذا إذا أردنا أن نبني فكرا إعلاميا يستحق أن ينال وصفه بأنه  إسلامي فلا بد أن يتسم هذا الفكر بسمتين رئيستين  ألا وهما : السمة الأولى ؛ قدرته على ترسيم السبل التي تمكن القائم بالاتصال المسلم من  الوصول إلى  المعرفة الحق في القضية التي يتصدي لها و التأثير في المتلقي عبر هذه المعرفة الحق ..حتى يمكن ضمان سلامة هذا التأثير ، السمة الثانية؛ قدرته على ترسيم السبل التي  تمكن  القائم بالاتصال المسلم من تحديد أولويات القضايا التي يعالجها على نحو سليم.

 

 

 

 


المبحث الثاني: سبل بناء فكر إعلامي إسلامي على نحو سليم.

     حتى يمكن علاج الخلل الذي يضرب  بنية الفكر الإعلامي  الإسلامي القائم -والذي يدور في فلك  علم الاتصال  الوضعي - على نحو يمكن هذا الفكر من الإجابة على تساؤل "كيف يمكن للقائم بالاتصال بناء  عمليات اتصال قادرة على الوصول إلي الحق، و التأثير عبر هذا الحق؟ وهي الإجابة الكفيلة بضمان سلامة التأثير الذي يترتب على هذه العمليات الاتصالية على   خير وجه، فلا بد من بناء نظرية اتصال إسلامية تقدم للإعلامي المسلم الإجابة على ذلك التساؤل أولا، وتقدم له تصورا راسخا عن الكيفية التي تمكنه من ترتبت أولويات رسائله على نحو سليم ثانيا ،وفيما يلي نتلمس السبل التي يمكن خلالها تحقيق هذين الهدفين.   

أولا: سبل بناء عمليات الاتصال على يمكنها من إدراك الحق:

   إذا كان هم الفكر الإعلامي الوضعي السائد ،-كما اشرنا سلفا- هو بناء  عمليات اتصال قادرة على  تحقيق الأثر الذي يصبو القائم بالاتصال إلي إحداثه لدي المتلقي, فإن  الهدف  الذي ينبغي أن يسعى إليه   الفكر الإعلامي الإسلامي , هو كيفية بناء  عمليات الاتصال التي تُمكن القائم بالاتصال من التأثير في المتلقي عبر الرسائل التي تحمل الحق.. ذلك الحق الذي لا يمكن أن يصبح حقا, إلا إذا ارتكن إلى معارف(مقدمات )كاملة والي انتقال سليم من هذه المقدمات إلي النتائج، على نحو يجعل هذه النتائج تأخذ صورة الأحكام البرهانيه ([10]) "اليقينية" و التي لا يملك أي متلقي يسلم بمقدماتها إلا أن يسلم بها.

 وهو ما يعني ضرورة  أن تتصدي هذه النظرية لشتي الإشكاليات التي تحول دون بناء رسالة سليمة قادرة على إدراك الحق في القضية التي تعالجها ،أو دون توصيلها علي نحو كامل .وهو ما يعني أن أي تناول لأي عنصر من عناصر عملية الاتصال(المرسل،الرسالة،الوسيلة،المتلقي، الظروف البيئية المحيطة ،رجع الصدى) ينبغي أن يتمحور حول الدور الذي يلعبه - في النهاية - في أي مرحلة من هاتين المرحلتين . وأي إخفاق في تتبع هذا  الدور الذي يلعبه أي عنصر من عناصر العملية الاتصالية .. يعني بالتبعية إخفاقا في فهم  كيفية  بناء عملية اتصالية ناجحة. 

    و يمكن القول إن العلة التي تقف وراء الخلل الذي أدى إلي عدم التفاف   الفكر الإعلامي الوضعي إلى أثر تلك العوامل علي بناء الحق ونقله، هي طبيعة الهدف الذي سعي إليه  هذا الفكر، وهو الماثل في ترسيم سبل بناء ونقل أي رسالة علي نحو يحقق  التأثير المرجو منها لدى المتلقي، أيا كانت مادة الرسالة، وأيا كانت سبل نقلها.

    وحتى يمكن تجاوز ذلك  الخلل فلا بد من  بناء نظرية اتصال إسلامية تهدف للوصول إلي التأثير في المتلقي عبر الحق وحده ،وليس إلي التأثير عبر الحق أو غيره ،كما هو حال النظرية الغربية.

والواقع إن بناء هذه النظرية يتطلب من الفكر الاتصالي الإسلامي  اجتياز عدد من المراحل قبل التمكن من بناء هذه النظرية على نحو سليم هذه المراحل هي:

المرحلة الأولي: النظر إلي أن  أي فكر اتصالي يعالج بنية العملية الاتصالية لا يأتي من فراغ: فثمة  مقدمات صريحة أو ضمنية ينبني عليها،  بغض النظر عما إذا كانت هذه المقدمات سليمة أم مختلة  .. هذه المقدمات هي بدورها  نتيجة لمقدمات أعلى ، و هكذا  دواليك  .. إلى أن نصل إلى مقدمات أم،  وهي الماثلة في مقولات التصور الكوني الذي  يتبناه المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفكر ، و  في كل الحالات فإن أي خلل  في أي مرحلة من هذه المقدمات سوف يتبعه حتما  خلل  في قدرة هذا الفكر على طرح تصور سليم لكيفية بناء العملية الاتصالية على نحو فاعل .

و حتى و إن  غابت هذه الحقيقة عن أي من الدراسات التي  عالجت بنية العملية الاتصالية فإنها تظل مستبطنه فيها، فإذا ما تتبعنا المقدمات الأم التي تكمن وراء المعالجات التي تطرح في أغلب  الدراسات العربية لبنية عملية الاتصال سنجدها تنتهي بنا عند المقدمات ذاتها التي انبنت  عليها المعالجات الغربية لعملية الاتصال، و هذه المقدمات لا تخرج في النهاية عن المقولات الإبستمولوجية و الأيدلوجية السائدة في الفكر الغربي ، والتي تنبثق بدورها عن مقولات التصور الكوني العلماني، وتسعي إلى الإسهام في تحقيق غايته.  

و إذا كانت الدراسات  الاتصالية الغربية  لم تتناول الكيفية التي يتم خلالها التنظير ل" بنية العملية الاتصالية " علي هذا النحو المتعمق([11]). فان  ثمة ضرورة تفرض علي منظري الاتصال في المجتمع المسلم الإلمام بهذه المقدمات على نحو متكامل،  حتى يمكن  ضمان بناء هذه العملية على أسس راسخة.([12])

المرحلة الثانية: النظر إلى العملية الاتصالية علي أنها بنية متكاملة :لما كانت العملية الاتصالية  بنية متكاملة يقع بين أطرافها التأثير والتأثر .. فإنه يصعب وضع اليد علي أي عنصر من عناصرها علي نحو سليم دون وضع اليد علي علاقته بالعناصر الأخرى في هذه العملية.  ووضع اليد علي الموقع الذي يحتله في هذه العملية ، وما إذا كان يحتل موقع المقدمة ، أو يحتل موقع النتيجة ،  أو يمثل نتيجة ومقدمة في الآن نفسه  ،بل إن أي عملية اتصال  بشتى أطرافها  لا تعدو أن  تكون وسيلة لغاية سابقة عليها استدعت وجودها هي ما أطلق عليه "للويد بتزر" [13] الموقف الخطابي وهو يتكون من مزيج من جمهور وضرورة خطابية ومحددات،  وهو ما يعني ضرورة النظر إلي عملية الاتصال بشتى مكوناتها كبنية واحدة، أو بمعني آخر أداة  لتحقيق غاية سابقة عليها ، هي التصدي للضرورة الخطابية ،وهكذا لابد من النظر إلي الموقف الخطابي على انه يقع  من العملية الاتصالية موقع  المقدمة من النتيجة.وأي اختلال في فهمه يعني اختلال فهم العملية الاتصالية برمتها

 المرحلة الثالثة :الفصل بين أثر عناصر العملية الاتصالية في بناء الحق وفي نقله:  إذا كانت طبيعة الهدف الذي تسعى الدراسات الاتصالية الغربية إلى تحقيقه- وهو التأثير في المتلقي - لم تستدع منها الفصل  بين أثر عناصر العملية الاتصالية في بناء الرسالة أو نقلها، إلا في الحدود التي تضمن سلامة نقل ما يريد المرسل إيصاله إلى المستقبل .. فإن  طبيعة الهدف الذي  تسعى إليه النظرية الإسلامية  -وهو تأسيس  وبناء ونقل  الرسالة التي تحمل الحق - تجعل هذا  الفصل أمرا لا مناص منه . حتى يمكن تلافي أي أثر يمكن أن يحدثه أي عنصر من هذه العناصر في الحيلولة دون الوصول إلى الحق ، أو الحيلولة دون نقل الحق علي النحو الأمثل إلى الجمهور المستهدف.  

المرحلة الرابعة: وضع الشروط التي تمكن من بناء الرسالة الاتصالية القادرة على إدراك الحق في القضية التي تعالجها:  و التي ترتبط بتلمس سبل تأسيس المعرفة التي تتعلق بمعطيات أية قضية  على نحو  سليم و متكامل .. كشرط رئيس للخلوص إلى نتائج برهانية حيالها أولا ، ثم ،ثانيا: تلمس شروط  بناء الحكم  الذي يتعلق بهذه القضية  على نحو منطقي صارم . و يحمل هذا  الأمر  صعوبة تتخطي كيفية القيام بعملية استدلال منطقي سليم من مقدمات قضية ما إلى نتائجها ،إلي كيفية  ضمان سلامة هذه  المقدمات.. فليس ثمة إمكانية للخلوص إلي نتائج يقينية طالما انتفت  سلامة مقدماتها ، ولن تجدي حينئذ أية  صرامة في عملية الاستدلال.  ثم ،ثالثا :تلمس شروط  بناء أي رسالة على نحو لغوي واضح لا لبس فيه ، ذلك لأن الاختلاف علي الدلالات التي يحملها دال ما،  يمكن أن يفسد أية إمكانية لإلزام أي متلق بطرحنا، لكونه يجعل طرحنا- و إن  بدا لمن يتفق معنا في دلالات اللغة المستخدمة برهانيا - طرحا ظنيا لدي من لا يتفق معنا في دلالات اللغة التي نستخدمها في  رسالتنا ، وهو ما يهدم كل الجهود التي تكون قد بذلت في الوصول إلى الحق القائم على البرهان ،و يفتح بابا واسعا  للخلاف.([14])

 هذه هي المراحل التي لابد من انجازها لبناء نظرية اتصالية إسلامية قادرة على ترشيد القائم بالاتصال   بناء رسائله على نحو سليم يمكنه من الوصول إلي الحق في أي قضية يتناولها - أو الاقتراب من هذا الحق بقدر الإمكان- والتأثير في المتلقي عبر هذا الحق ، بما  يمكن الجمهور المتلقي من  تحقيق الأهداف التي يصبو إليها من التعرض لطروح القائم بالاتصال حول هذه القضية على خير وجه. 

ثانيا :سبل  ترتيب الأولويات على نحو غير سليم.

   الواقع إن  أي جمهور تجمع أفرداه اهتمامات مشتركة لا محيص أمامه من تبني ترتيبا ما لمدي أولوية القضايا التي يهتم بها ، سواء أكان هذا الترتيب ناجما عن عمليات اتصال شخصي أم جمعي أم عن عملية اتصال جماهيري، وهو ما يعني أن وجود ترتيب ما للقضايا المشتركة لدي جمهور معين هو أمر واقع لا محالة، سواء أكان  العنصر الفاعل في ذلك وسائل الإعلام ، أم  غيرها من  وسائل الاتصال.. فلا بد أن تعلو قضية علي أخري في الأهمية لدي ذلك الجمهور ، و لابد - من ثم -    أن تسبقها في سلم الأولويات.

     وهنا ينبغي أن يكون الفيصل في المفاضلة  بين الأولويات لدي القائم بالاتصال المسلم ،  هو  ما سيعود على الجمهور المتلقي - جراء إعلاء قضية ما على أخرى-  من نفع يمكن جلبه من التعاطي مع هذه القضية، أو مقدار الضر الذي يمكن دفعه .

 و هنا ثمة  تساؤل يحمل إشكالية واضحة لابد أن يطرح على  الفكر الإعلامي الإسلامي   ألا وهو: ما المعايير  التي  يجب إن يستند  إليها القائم بالاتصال  لتقرير ما هو أكثر نفعا أو أقل ضررا بين القضايا التي  يري أنها تقع في دائرة أولوياته؟ 

  و وجه الإشكالية هنا أن أي خلل في المعايير التي يهتدي بها   ذلك القائم بالاتصال في تحديد مقدار   النفع  أو الضرر في القضايا التي يهتم بها  يعني  من ثم عدم  إعطاء  قضية ما الأولوية التي تستحقها بين غيرها من القضايا على النحو السليم . وبديهيا  أن  ذلك يعني بالتبعية حدوث خسارة ما في تحقيق أهداف  الجمهور المتلقي التي تتعلق بهذه القضايا على قدر هذا الخلل.

   وهكذا ثمة مهمة حتمية أمام الفكر الإعلامي الإسلامي لتحديد السبل المثلي التي يجب أن يهتدي بها القائم بالاتصال، بل ووسائل الإعلام الإسلامية برمتها،  في ترتيب أولويات القضايا،  على نحو يضمن سلامة ترتيبهم هذا  ويضمن-من ثم- سلامة الآثار المعرفية والنفسية و السلوكية التي  تحدث للجمهور المتلقي  المعني بهذه القضايا.

         و الواقع أن ذلك الهدف لن يتسنى  للقائم بالاتصال المسلم  إلا إذا  تمكن الفكر الاتصالي الإسلامي من تقديم نظرية متكاملة  حول كيفية  بناء و ترتيب الأولويات .. نظرية  تضع في حسبانها شتي المقدمات التي يمكن على هداها فهم حقيقة الدور الذي ينبغي أن  تلعبه وسائل الإعلام في بناء و ترتيب الأولويات في المجتمع المسلم ،،وشتي النتائج التي يمكن أن تنبني على أي خلل في الاضطلاع  بهذه المهام ، و واقع الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في أداء هذا المهام،  ومدي الفجوة بين هذا الواقع وبين ما هو مأمول.

  والحقيقة أن بناء هذه النظرية لن يتسنى للفكر الاتصالي الإسلامي دون توافر أبنية معرفية سابقة..أبنية تعد مقدمات حتمية ترتكن إليها هذه النظرية .. هذه المقدمات هي :

المقدمة الأولى :  بناء فكري محكم   لكليات الإسلام الماثلة في: منطلقات الإسلام الرئيسة التي تتمثل في معرفتنا بكل ما يتعلق بخالقنا العظيم سبحانه و تعالى، وعلة خلقه لنا وسبل رضوانه عنا..أولا. والغايات التي أمرنا الله تعالى كأفراد وكأمة أن نسعى إلى تحقيقها في هذا الوجود حتى نحقق ذلك الرضوان..ثانيا. والوسائل الرئيسة التي نهتدي بها كأفراد وكأمة في تحقيق هذه الغايات..ثالثا

المقدمة الثانية:   فهم متكامل للواقع الذي تعيشه الأمة عبر القراءة العلمية الدقيقة لحقيقة الفجوة بين ما هو كائن من واقع الأمة، وبين ما ينبغي أن يكون عليه واقعها كخير امة أخرجت للناس.  

المقدمة الثالثة :  مخطط  متكامل وعملي لسبل تجسير هذه الفجوة؛ يرسم الوسائل و الآليات الرئيسة التي تمكن أمة الإسلام من الانتقال من الوضعية الكائنة إلى الوضعية التي ينبغي أن تكون عليها من احتلال موقع الصدارة بين أمم الدنيا كشرط حتمي للقيام بدورها كأمة الشهادة خير أمة أحرجت للناس. 

المقدمة الرابعة: تحديد واضح للأدوار المنوطة بكل مكون من مكونات المجتمع الإسلامي ( أفراد، جماعات  ،مؤسسات.حكومات) للإسهام في نقل الأمة من الوضعية الكائنة إلى الوضعية التي ينبغي أن تكون عليها. ، وتحديد دقيق  للأولويات التي تقع بين هذه الأدوار.

  و إذا ما  توافرت هذه المقدمات يمكن حينها للفكر الاتصالي المسلم أن يبنى نظرية متكاملة تحدد الدور الذي يجيب أن تقوم به وسائل الاتصال بمختلف مستوياتها في نقل الأمة من الوضعية الكائنة التي تعانيها إلى الوضعية التي تليق بها ، وتحدد المعايير الراسخة التي يهتدي بها القائم بالاتصال المسلم في تقرير مدي أولية تناول قضية ما عما سواها من قضايا، وسبل ترتيب هذه الأولويات على نحو سليم.

**   **   **   **

      وفي النهاية يمكن القول: إن  بناء إعلام إسلامي حقيقي قادر على الإسهام في إنقاذ الأمة من وضعيتها الحالية و الانتقال بها نحو تحقيق الغايات التي تصبو إليها كخير أمة أخرجت للناس لن يتسنى  إذا لم يقدم هذا الفكر  نظرية اتصالية متكاملة، ترسم للقائم بالاتصال المسلم  سبل الوصول إلى الحق في أية قضية يتصدي  لمعالجتها أو الاقتراب من هذا الحق قدر الإمكان، وسبل التأثير في المتلقي عبر هذا الحق،و تحدد  له المعايير  الراسخة التي يهتدي بها في تقرير أولوية تناول قضية ما عما دونها من القضايا على نحو يجعل ما يطرحه حول هذه القضية قادرا على الإسهام في النهاية- ولو بقدر ضئيل- في تحقيق غايات أمة الإسلام في هذا الوجود.

 


الهوامش والمصادر



[1] - حول ملامح هذه المنهجية انظر:

- محمود زيدان ،مناهج البحث الفلسفى ،(الاسكندرية:الهيئة المصرية العامة للكتاب،1977) ص 7

[2] -حيث  تمحور اهتمام الدراسات الإعلامية حول  كيفية  الوصول بالرسالة الإعلامية إلى تحقيق أهداف القائم بالاتصال من العملية الإعلامية.   

  انظر : - محمد عبد الحميد ، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير ( القاهرة : عالم الكتب ،1997) ،ص 311.

[3] - انظر أرسطو طاليس ، الخطابة ( الترجمة العربية القديمة )،تحقيق : عبد الرحمن بدوي ( الكويت: وكالة المطبوعات،1979)

[4] حول الملامح المتكاملة لهذه النظرية انظر:

-Chafee .Z., Government and Mass Communication , A Report From the Commission on Freedom of the Press Vol .1 , (Chicago : The University of Chicago Press ,1947)

[5]الحق  الشيء الحق، أي الثابت حقيقة، ويستعمل في الصدق والصواب أيضاً، يقال: قول حق وصواب. وفي اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وفي اصطلاح أهل المعاني: هو الحكم المطابق للواقع،  ويقابله الباطل" الشريف الجرجاني، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الإبياري ،(بيروت:دار الكتاب العربي،1405)،  ص 67.وبالطبع فان أي معرفة لن تكون حقا إلا إذا كانت مطابقة للواقع، كما أن أي حكم يطرح حول أية قضية  لن يكون  حقا – و على نحو لا يمكن لعاقل إنكاره – إلا إذا أنبنى على أساس برهاني ..بالطبع قد نصل إلى البرهان في أشياء صورية لا علاقة حقيقة لها بالواقع ..إلا أن الحكم الحق الذي له صلة بالواقع لا يمكن أن نصل إليه إلا عبر البرهان.

[6] - الظن هو "الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، وقيل: الظن” أحد طرفي الشك بصفة الرجحان"([6])  و يوضح ما نقصده بالظن هنا – علي نحو أكثر دقة وتفصيلا – ما ذكره الفارابي من  أن  “الظن  هو : كل اعتقاد حاصل في وقت ما  أمكن أن يزول في المستقبل بعناد فهو  ظن  ، وكل اعتقاد قام إلى وقت ما ثم زال بعناد، فقد كان قبل أن يزول ظنا لا يشعر به صاحبه أنه ظن

- أبو نصر الفارابى، كتاب فى المنطق: الخطابة، تحقيق وتعليق :محمد سليم سالم ( القاهرة، وزارة الثقافة، مكتب تحقيق التراث، 1976) ،ص 8.

[7] - وصف القرآن الكريم الإسلام بأنه دين الحق في مواضع أربعة هي ({قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29 {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }التوبة33 {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }الفتح 27 {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }الصف 9

[8] - محمود السماسيري، نظرية الخطاب(الفكر) الإسلامي ، سلسلة"نحو إعادة بناء الفكر الإسلامي (1)(بيروت:دار القلم،2012)، ص 49.

[9] - الأولي لغة بمعني الأحق والأجدر  “  - مجمع اللغة العربية ، المعجم الوجيز( القاهرة :وزارة التربية و التعليم،1992 )،ص 682  

 و الأولويات  اصطلاحا هي " الأعمال التي لها حق التقديم على غيرها  عند الامتثال أو عند الإنجاز"  

- محمد الوكيلي،فقه  الأولويات : دراسة في الضوابط ، سلسلة الرسائل الجامعية(22) ( فرجينيا  :المعهد العالمي للفكر الإسلامي،1997)، ص15.

[10] البرهان كما يعرفه أرسطو -وهو التعريف السائد في الدراسات المنطقية – هو ” القياس الذي  يكون من مقدمات صادقة أو أولية ، أو من مقدمات يكون مبدأ المعرفة بها قد حصل من مقدمات أولية صادقة.

- أرسطو طاليس ، منطق أرسطو ( الترجمة العربية القديمة )   تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي ، سلسلة دراسات إسلامية  7 ، ج2 ( القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، 1949)  ص 496

[11] -  فالمعروف أن علم الاتصال  قد نشاء في بدايته كإطار تجميعي لعدة تخصصات تنتمي إلى العلوم الاجتماعية  و الإنسانية وظل يفتقد حتى اليوم للبنية النظرية المستقلة "

-  عواطف عبد الرحمن، النظرية  النقدية  في بحوث الاتصال( القاهرة : دار الفكر العربي ، 2002 )،ص  8

[12] - وهو ما يتطلب- بداية- توافر طروح  تعالج على نحو سليم ومتكامل منطلقات التصور الكوني  الإسلامي ، وتعالج الغايات التي يسعى إليها ، والوسائل التي يطرحها لتحقيق هذه الغايات .. ثم معالجة مختلف الأبعاد الإبستمولوجية التي يمكن  خلالها  بلوغ الحق حيال أية قضية من القضايا أيا كان حجمها  انطلاقا من الحقائق المطلقة التي جاء بها الوحي .. ثم معالجة مختلف الأبعاد  الأيديولوجية التي تنظر لشتي السبل التي يمكن  خلالها  تحقيق الغايات التي جاء الإسلام لتحقيقها في هذا  الوجود (سياسية ، اقتصادية اجتماعية ، اتصالية أو إعلامية ) .. ثم  تحديد الدور الذي  ينبغي أن تضطلع به شتي الوسائل الاتصالية في المجتمع الإسلامي في تحقيق الغايات الإسلامية  .. وعلي هدي كل ذلك    يمكن   تأسيس  "بنية  العملية الاتصالية " علي نحو برهاني قادر علي ترشيد العمليات الاتصالية التي تتم في المجتمع الإسلامي إلى الأهداف التي تصبو إليها.

-أنظر  محمود السماسيري،نظرية الخطاب الإسلامي، ص681.

 

[13] عرف "بتزر" الموقف الخطابي أنه " مزيج من الأشخاص، الأحداث ، الموضوعات  والعلاقات التي تشكل ضرورة واقعة بالفعل أو محتملة الوقوع ، و التي يمكن التصدي لها بشكل كامل أو جزئي إذا ما تم الاستعانة بالخطاب  في هذا الموقف ، والذي يمكن هنا أن  يحدد القرارات أو الأفعال الإنسانية التي يمكن أن  تحدث تعديلا ذا دلالة  في وضع هذه الضرورة" ويعتبر بتزر هو اول من نظر للموقف الخطابي انظر:

Lioyd Bitzer ,"The Rhetorical Situation" Philosophy and Rhetoric، Vol. 1، N.1 1968

،   p .6.

 ثم  شهدت دراسات الموقف الخطابي   تطورات مهمة  منها:

 -R.E.Vatz ،"The Myth of Rhetorical Situation " ، Philosophy and Rhetoric   Vol.  6 -1973 .pp ،154،161   

[13] - Ibid ،pp 175 ،185

 - J. H .Patton "Causation and Creativity in  Rhetorical Situation: Distinction and Implication" Quarterly Journal of Speech، Vol. 65، 1979 . pp 36 ،55

- Prabara A. Biesecker ،" Rethinking the Rhetorical Situation from within the Thematic of Difference" in L. Lucaites and Others(eds.)  0p.cit 226 ،246 

[13] Grrret، Mary and، and Xiao، Xiaosui  "The Rhetorical Situation Revisited " Rhetorical Society Quarterly  ، Vol. 23 N2 ، 1993

 

[14] -للمزيد من التفصيل حول هذه الشروط انظر:

- محمود السماسيري،نظرية الخطاب الإسلامي، ، ص ص 499-598.


مركز البصيرة للبحوث والتطوير الإعلامي

جديد اصدارات واخبار مركز البصيرة تصلك مباشرة على بريدك الالكتروني. سجل بريدك في الاسفل