كتاب "المرجعية الاعلامية في الاسلام " ...د. طه احمد الزيدي


 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

اما بعد: فتشهد وسائل الإعلام الإسلامية فوضى في تقديم المعارف الإسلامية ، وقد تم تشخيصها من خلال ممارستنا العملية ومزاولتنا العمل الدعوي والإعلامي. وتفاقمت هذه المشكلة مع تزايد عدد القنوات الفضائية الإسلامية وعدد البرامج الإسلامية في غيرها من الفضائيات العربية، وتعدد المواقع الالكترونية التي تهتم بالشأن الإسلامي ومعها تعالت الأصوات محذرة من تداعيات مشكلة الفوضى المعرفية في وسائل الإعلام الإسلامية .

فعقدت حلقات تلفزيونية لمناقشة آثار هذه المشكلة؛ وصدرت مؤلفات تناولت ظهور ما يسمى بـ "فتاوى الحيرة" وما يبدو لجمهور المستفتين أنه تضارب في الفتوى، وفوضى في الساحة الإفتائية ، مما خلق الكثير من البلبلة والاضطراب الفكري عند الناس جراء الإفتاءات غير الصحيحة ، مما يعني حدوث مشكلات اجتماعية ونفسية قد لا تحمد عقباها ، وتحدث كتَّاب عن : "فَلَتَان" على صعيد الفتاوى والأحكام الشرعية، تنشرها الفضائيات العربية التي تتسابق على البرامج الدينية لإضفاء شيء من المصداقية عليها، بما فيها تلك التي تعتمد أساساً على الفن ونشر ثقافة الإغراء.

وشخّصت هذه المشكلة مؤسسات علمية رسمية، مثل الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء التابعة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وقامت بمحاولات لمقاومة انتشار ظاهرة فوضى الفتاوى التي تصدر عن عدد من رجال الدين الإسلامي في الفضائيات وغيرها.

كما أوصى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في إحدى جلساته بأن تكون دار الإفتاء المصرية هي الجهة المختصة بإصدار الفتوى في الأمور العامة والخاصة، وذلك لمنع الفوضى التي عمت ساحة الفتوى مؤخراً، وتصاعد نفوذ شيوخ القنوات الفضائية غير المتخصصين في هذا المجال مما تسبب في حدوث بلبلة وتشكيك للناس في أمور دينهم .

بل إنَّ خطورة هذه المشكلة دفع إلى عقد ندوات ومؤتمرات علمية كان من أهم محاورها تحديد أبعاد الفوضى في المعرفة الإسلامية التي تقدمها القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية.

ومما ساهم في تعميق مشكلة الفوضى أمران هما تدفق المعلومات والبث المباشر.

فأما ظاهرة تدفق المعلومات فهي طبيعية في عصر أطلق عليه عصر المعلوماتية . ولذا فقد حذر الإعلاميون من ثورة المعلومات وخطر تدفقها على المتلقي العربي والمسلم في عصر يتسم  بسرعة التغير ، وسيطرة الدول الكبرى عليه ، وقد قيل بأنّه لا يحق لدولة أن تدعي أنها مستقلة إذا كانت وسائلها الإعلامية تحت سيطرة أجنبية – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – إذ ظهر بوضوح أنه لا يمكن أن يقوم استقلال حقيقي وشامل دون وجود وسائل اتصال وطنية مستقلة تكون قادرة على حماية هذا الاستقلال وتعزيزه .

وإذ تم تشخيص ذلك منذ فترة السيطرة الاستعمارية التي مارستها الدول الغربية ضد شعوب العالم الثالث، فإن التدفق الحر للأنباء الذي أرست مبادئه الولايات المتحدة بعد كسرها للاحتكار الأوربي للإعلام، في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، أضاف سبباً جديداً للاختلال في التدفق الإعلامي بين الدول الصناعية المتقدمة ودول العالم الثالث مما ساعد على ترسيخ الصور العديدة للتبعية الإعلامية والثقافية .

لقد أدى تطبيق مبدأ التدفق الحر إلى ظهور ما يسمى بالتدفق في اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل ، أي التدفق الذي يتخذ شكلاً رأسياً ويتجه هذا التدفق سواء كان في شكل معلومات أو أخبار أو برامج إعلامية أو منتجات ثقافية في معظمه من الدول المتقدمة التي تمتلك الإمكانيات التكنولوجية إلى الدول الأخرى خاصة عالمنا العربي والإسلامي.

إنَّ هذا المفهوم من التدفق انتقل مرة أخرى وباتجاه واحد عمودي أيضاً، من الإعلام العربي - الذي يخضع للأنظمة الحاكمة- إلى الجماهير العربية المسلمة محاولاً تشكيل شخصية إسلامية وفق المفهوم الرسمي أو الفكري لهذه الأنظمة.

وإذا كان انتشار وسائل الإعلام الإسلامية الجماهيرية في العقد الأخير للقرن الماضي قد ساهم إلى حد ما في تقليل أثر هذا التدفق ، فإنها جاءت بنوع جديد من التدفق وهو تدفق بالاتجاه الأفقي، حيث إنَّ المسألة الواحدة تعددت فيها الأقوال والآراء بصورة أفقية ، وانهمر سيل من المعلومات في المعارف الإسلامية جعلت المتلقي في حيرة من أمره، فما بين غزارتها إلى تباينها بل وتناقضها، ومن مقابسات كانت مقتصرة على العلماء في حلقات ضيقة، إلى سجالات على القنوات، لا يعي منها المتلقي إلا عمق الخلافات وشدة النزاعات ، وترسخ لدى المتلقي العربي المسلم أنه ليس هنالك اتفاق في الشريعة.

وأما العامل الآخر الذي ساعد في انتشار الفوضى الإعلامية ؛ فهو البث المباشر، فقد تنبه الإعلاميون إلى بعض أخطاره وتأثيره على أخلاقيات وسلوكيات الجماهير في الدول الإسلامية المستقبلة لها ، وإثارة طموحات استهلاكية لدى مواطنيها ، وهي طموحات يصعب إشباعها في ضوء الموارد المتاحة ، ... كما أنَّ هذا البث من شأنه أن يزيد الخلل القائم في تدفق المعلومات بين الدول التي تملك والتي لا تملك، والتي يقتصر دورها على التلقي مع عدم القدرة على إيصال ما لديها إلى الآخرين، إضافة إلى تهديد هويتها الدينية والثقافية.

وفيما يتعلق بأثر البث المباشر في الفوضى الإعلامية للمؤسسات الإسلامية  فقد تحدث عنه أحد أعضاء الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين ، مركزاً على الفتوى المباشرة موضحا بأنها: الفتوى التي تعرض على المفتي فيجيب عنها فوراً، أي يجيب عنها دون أن تعرض عليه ليدرسها بدقة، فيرجع فيها إلى المصادر الأصلية والتبعية للفقه الإسلامي، وإلى أقوال العلماء القدامى أو المعاصرين، والمجامع والمؤتمرات والندوات الفقهية؛ فالفتاوى المباشرة هي جولات حرة غير مقيدة بأي شيء، فقد تأتي الأسئلة في الدماء والفروج، كما يمكن أن تأتي في أدق الأمور وأحدثها في نطاق البنوك والطب والاستنساخ، والمشاكل الاجتماعية والقضايا السياسية والاقتصادية، وفي القضايا التي تهم الأمة بأسرها، وهكذا؛ فكيف بشخص واحد أن يجيب عنها في عالمنا الذي توسعت فيه العلوم والمدارك والثقافات، حتى أصبحت الجزئيات المتخصصة في القرن الماضي عموميات في عصرنا الحاضر.

إنَّ متابعة ما تمَّ التوصية به لمعالجة هذه المشكلة أو الحد منها لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب خاصة فيما يتعلق بوسائل الإعلام الإسلامي ، وإنْ أشارت بعض الجهات آنفاً إلى مسألة تحديد المرجعية لهذه الوسائل ، إلا أنها كانت توصيات افتقرت إلى التفصيل والكيفية .

إنَّ المعالجة تستلزم وضع حلول مدروسة مبنية على أسس علمية، وإن إيجاد مرجعية إعلامية يتطلب أولاً دراسة تأصيلية لها ومشروعاً تطبيقياً لتشكيلها .

وهذا ما نسعى إلى تحقيقه في هذه الدراسة بإذن الله تعالى.

تساؤلات وأهداف:

وعلى ضوء ما سبق نحاول في هذه الدراسة الإجابة عن عدد من التساؤلات التي تثير اهتمام ومتابعة القائمين على الإعلام الإسلامي، وضرورة ترشيده في ظل تدفق المعلومات، وتتلخص في تساؤلات محورية وهي:

لماذا نريد مرجعية للإعلام الإسلامي ؟

وما هي المرجعية الإعلامية التي نريد؟ وما أبعادها النظرية والتطبيقية؟

وما طبيعة علاقة هذه المرجعية بالجهات الآتية:

السلطة كونها مصدر التشريعات الإعلامية؟

المجامع الفقهية كونها تمثل مرجعية علمية للمسلمين؟

المؤسسات ووسائل الإعلام الإسلامية كونها ميدان العمل الإعلامي الذي نبعت من المشكلة؟

كيف يتم تشكيل المرجعية الإعلامية؟ وما السبل لتحقيق أهدافها المنبثقة عنها؟ وتجاوز ضعف التجارب السابقة؟

كما أننا نقصد من هذه الدراسة: التعريف بالإعلام الإسلامي وبالمرجعية الإعلامية ، وأثرها في معالجة الفوضى التي تعاني منها وسائل الإعلام وتداعياتها على المجتمع العربي والإسلامي ، وهنالك جملة من الأهداف نطمح في التوصل اليها في إطار المشكلة الخاضعة لمتطلبات البحث ومن أهمها:

1-    التوصل إلى مفهوم إسلامي وإعلامي يساهم في تحديد المرجعية الإعلامية، وأنواعها .

2-    تحديد دور السلطة وفقهاء الإعلام في صياغة المرجعية الإعلامية.

3-    آلية تفعيل هذه المرجعية في معالجة المشكلة أو تقليل أثرها ، من خلال الوسائل والأنشطة التي ينبغي القيام بها .

4-    التوصل إلى توصيات علمية وعملية يمكن أن تساهم في تحديد سبل التعامل مع وسائل الإعلام الإسلامية من خلال المرجعية الإعلامية التي يسعى البحث إلى تشكيلها.

مجال الدراسة:

سنركز على استعراض نبذة عن الإعلام الإسلامي وخصائصه ووسائله ووظائفه في المجتمعات الإسلامية، وأثره على مناحي الحياة فيها ، كما سيتم استعراض العالم الإسلامي وأهم المرجعيات ( السياسية والشعبية والفقهية) التي تشكلت فيه ، وتبيين أثرها على الحياة العامة ، وكذلك الوقوف عند أهم التجارب السابقة المتمثلة بقيام مؤسسات إعلامية إسلامية عالمية مع التركيز على أسباب ضعف أدائها وعدم قدرتها على حل الإشكاليات التي تم رصدها في هذه الدراسة.

كما اقتضت عملية تنفيذ مهام الدراسة الأساسية القيام بمسح لأهم الأفكار والآراء التي وردت في المصادر العلمية لتحديد مفهوم المرجعية في العالم الإسلامي ، ودراسة المنظمات والمجامع التي مثلت مرجعية سياسية وفقهية في العالم الإسلامي للإفادة منها في تأصيل المرجعية الإعلامية ، كما اقتضى الوقوف عند تجربة المؤسسات الإعلامية الإسلامية العالمية وتحليل دورها ومهامها والعوامل التي أثرت سلبياً على أداء مهامها في تحقيق مرجعية للإعلام الإسلامي ، والإفادة منها في تشكيل مرجعية إعلامية.

وجاءت هذه الدراسة في تمهيد ، وثلاثة فصول وخاتمة.

أما التمهيد فتضمن الإطار المنهجي لهذه الدراسة.

وتناول الفصل الأول مفهوم الإعلام الإسلامي وجاء في خمسة مباحث هي:

المبحث الأول : تعريف الإعلام الإسلامي

المبحث الثاني : حكم الإعلام الإسلامي

المبحث الثالث : وظائف الإعلام الإسلامي

المبحث الرابع : خصائص الإعلام الإسلامي

المبحث الخامس : عناصر الإعلام الإسلامي.

وتحدث الفصل الثاني عن مفهوم المرجعية الإعلامية وجاء في ثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول : تعريف المرجعية

المبحث الثاني : مفهوم المرجعية في الإسلام

المبحث الثالث : المرجعية الإعلامية الإسلامية.

وأما الفصل الثالث فتناول تشكيل المرجعية الإعلامية الإسلامية وجاء في ثلاثة مباحث أيضاً هي:

المبحث الأول : مفهوم العالم الإسلامي ومرجعياته

المبحث الثاني : الإعلام الإسلامي العالمي

المبحث الثالث: تشكيل مجمع الإعلام الإسلامي

وتضمنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات التي انتهت إليها الدراسة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .

 


مركز البصيرة للبحوث والتطوير الإعلامي

جديد اصدارات واخبار مركز البصيرة تصلك مباشرة على بريدك الالكتروني. سجل بريدك في الاسفل