كتاب "الحرب النفسية مفاهيم اعلامية واحكم فقهية" د. عبد الهادي محمود الزيدي


إن تطورات الحياة البشرية تلقي بظلالها وتطبع بصماتها على أوجه الأيام حتى تظهر في تغير دائم ومستمر،  لاسيما في مجالات الصراع والتنافس البشري التي مازال الإنسان يبتكر فيها ويحدد الآليات والوسائل والسبل المؤثرة على الآخر بهدف إخضاعه والسيطرة عليه .

وتعد الحرب النفسية من أبرز وأجلى هذه الصور والآليات التي ولدت مع الإنسان وتطورت معه،  مبدية حضورها الفاعل أوقات الصراعات والأزمات التي لطالما برزت وامتد تأثيرها إلى حقب ومراحل وأصناف من الحياة الإنسانية، فالحرب النفسية قديمة قدم الإنسان ذاته وباقية ما بقى الإنسان وما بقيت نزعة الصراع والتنافس بين البشر .

فالحرب النفسية -إذن – قديمة وفاعلة وإن اختلفت تسمياتها ومصطلحاتها،  ومؤثرة في حياة الإنسان كونها تخاطب عقله محاولة إحداث أقوى المؤثرات فيه، وقد وردت صورها في القرآن الكريم كونه يخاطب النفس البشرية بغية إصلاحها وإبعادها عن أي مؤثر يحد من عبوديتها لله، وكذلك إبعاد هذه النفس عن كل ما يسبب لها القلق والإرباك، كما أمر الله تعالى شنها ضد الجبابرة والطغاة ممن يتخذون الحرب وسيلة للتأثير في النفس البشرية .

والحرب النفسية جزء من حالة هذا الإعداد الشامل، وحالة إرهاب العدو الواردة في الآية يقع تأثيرها بلا شك على النفس قبل أي شيء آخر.

وحفلت السنة المطهرة بالكثير من جوانب الحرب النفسية وصورها وأساليبها فعانى المسلمون في مكة من دعاية المشركين وحصارهم وتعذيبهم، وعانوا منهم ومن المنافقين واليهود في المدينة بمحاولات تمزيق الصف المؤمن وتثبيط هممهم عن الجهاد وبإشاعة الإفك وغيرها فكان الرسول –صلى الله علية وسلم – والمسلمون بالمرصاد حتى كتب الله تعالى لهم النصر..

وقد تعددت أقوال الفقهاء وآراء العلماء في الإشارة إلى الكثير من صور الحرب النفسية وكيفية صدها ووضع الأحكام للتعامل معها في إشارات اختلفت قوة وضعفاً ولم تنتظم جميعاً في كتاب يجمع هذه الأحكام الفقهية،  مما دفعني بعد التوكل على الله تعالى لكتابة دراستي هذه في محاوله لجمع وترتيب هذه الأحكام الفقهية حسب أساليب الحرب النفسية وقد أسميتها:

(الحرب النفسية مفاهيم إعلامية وأحكام فقهية ).

فما كان فيها من إجادة وصلاح فمن الله تعالى، وما ورد فيها من نقص فهو مني وما يرفق الكمال إلا بالله تعالى،  والله ولي التوفيق .

 * منهج البحث :

جاء عنوان دراستي عاماً في الحرب النفسية،  وتطرقت إليها بإسهاب حاولت أن يكون وافياً للغرض الذي كتبت من أجله فبدأت بتعريفات هذه الحرب وبيان مصطلحاتها وأساليبها وأهدافها ثم إيضاح خطورتها وسبل مقاومتها . وكان لابد من الوقوف على صور وجودها في القرآن والسنة قبل الخوض في تحديد أحكامها .

وكانت مراحل هذا العمل تتطلب وقتاً أكبر للإلمام بتفاصيله والخروج بدقة أكبر،  إلا أن الباحث عانى من ضيق الوقت الذي يتعارض مع سعة وتداخل الموضوع  وتوزعه بين علوم عدة كالإعلام والفقه وعلم النفس والسياسة والاجتماع والجهاد،  مما يتطلب موازنة بين كل هذه الاتجاهات العلمية للخروج أخيراً  ببحث يوضح بصمات الفقه الإسلامي على ظاهرة إعلامية- نفسية – اجتماعية – عسكرية ... وكان لابد من الاطلاع على مداخل هذه العلوم وعمومياتها بهدف تحقيق هذا الجانب .

ولا يخفى على أحد واقع الظروف العصيبة التي مر بها البلد عموماً، من فقدان للأمن والاستقرار وتهجير قسري عانى منه الباحث فأثر سلبياً على استغلال الوقت بشكل أمثل والوقوف على تفاصيل الموضوع  بصورة أكثر دقة وموضوعية إضافة إلى ظروف اجتماعية صعبة كان فيها لطف الله تعالى وعنايته حاضرة على الدوام مما اضطر الباحث لمواصلة البحث على مراحل زمنية متقطعة آملاً في ذلك كله تقديم رسالة علمية تندرج ضمن مباحث الإعلام الإسلامي  تؤشر حدود وتفاصيل ظاهرة حياتية شغلت الناس قديماً وحديثاً مما يتطلب من أي باحث في مثل هذا الموضوع استيعاب لغة ومصطلحات الإعلام ما دام يكتب في هذا المجال ثم استيعاب لغة الفقه وأقوال الفقهاء ما اتصل الأمر بإيضاح الآراء في هذا المجال،  لتحقيق التوازن المطلوب .

ولا يفوتني التذكير أن صور وأساليب الحرب النفسية وردت متفرقة ضمن فقه الجهاد وأحكامه وضوابطه في الفقه الإسلامي ولم يكتب عنه بشكل واضح ومستقل حتى في المؤلفات المعاصرة باستثناء كتاب الدكتور أحمد نوفل (الحرب النفسية في المنظور الإسلامي ) وهو مؤلف عام وجهد مبارك ألا أنه لا يتصل مباشرة بموضوع هذه الدراسة . مما تطلب من الباحث النظر ملياً قدر المستطاع في آيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة وفي ما كتب عن الجهاد والمغازي لاستظهار واستنطاق الصور والكلمات التي تعبر عن وجود الدعاية والإشاعة وبقية أساليب الحرب النفسية ثم محاولة إخضاعها وترتيبها ضمن أحكام فقهية عمل بها المسلمون وما زالت تصلح لذلك في إطار علاقة الأمة الإسلامية ببقية العالم ومن خلال ذلك يتم بيان نوع ودرجة الحكم الفقهي المتعلق بهذه المسائل .

وسلكت في كتابة هذه الرسالة مسلكاً يلقي الضوء على مفهوم الحرب النفسية لدى علماء الاتصال والإعلام،  ومحاولة تعريفها في المنظور الإسلامي كجزء من عملية تحديد موقعها في مباحث الإعلام الإسلامي، ثم طريقة الاستدلال والاستشهاد بنصوص القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة، والنظر في أقوال الفقهاء المتقدمين والتي أوضحوا فيها نواة  أو إشارات  تخص الموضوع الذي أكتب فيه كما ركزت على أقوال وآراء المتأخرين  من فقهائنا  لأهميتها في الشرح والإضافة على مؤلفات سلف الأمة، من دون تعصب لرأي معين أو تقليد بعيد عن الحق على الرغم من عموم الحالات المدروسة في البحث وبعدها عن التعدد في الآراء لكونها في الغالب مما اتفقت عليها أقوال أهل العلم .

 

المحتويات

المقدمة

الفصل الأول:الحرب النفسية: تعريفها، نشأتها معناها في الشريعة الإسلامية

المبحث الأول : تعريف الحرب النفسية ونشأتها

المبحث الثاني:معنى الحرب النفسية في الشريعة الإسلامية

الفصل الثاني الحرب النفسية...أهدافها،  أساليبها،  مقاومتها

المبحث الأول: أهداف وأساليب الحرب النفسية

المبحث الثاني: خطورة الحرب النفسية وطرق مقاومتها

الفصل الثالث الحرب النفسية في القرآن الكريم والسنة النبوية

المبحث الأول : مشروعية وحكم الحرب النفسية

المبحث الثاني: الحرب النفسية في القرآن الكريم

المبحث الثالث: صور وأساليب الحرب النفسية في السنة النبوية

الفصل الرابع: الأحكام الفقهية للحرب النفسية

المبحث الأول: الأحكام الفقهية للدعاية والإشاعة

المطلب الأول : الأحكام الفقهية المتعلقة بالدعاية

المطلب الثاني : الأحكام الفقهية المتعلقة بالإشاعة

المبحث الثاني: أحكام الحرب الاقتصادية والمناورات السياسية وأحكام فقهية عامة

المطلب الأول : الأحكام الفقهية المتعلقة بالحرب الاقتصادية

المطلب الثاني: الأحكام الفقهية المتعلقة بالمناورات السياسية

المطلب الثالث : أحكام فقهية عامة في الحرب النفسية    

 

 

 


مركز البصيرة للبحوث والتطوير الإعلامي

جديد اصدارات واخبار مركز البصيرة تصلك مباشرة على بريدك الالكتروني. سجل بريدك في الاسفل